Saturday, March 13, 2010

الخلفية الجيولوجية للهزات الأرضية في لبنان والمنطقة


هــل تؤشــر الهــزات الحاليــة لأخــرى أقــرب إلـى بيــروت؟

الكرة الأرضية حين «تعطس»

علي ط حيدر

انشغل لبنان في الأيام الأخيرة بالهزات الأرضية التي ضربت منطقة الجنوب ووصلت ارتداداتها الى العاصمة بيروت. إشاعات كثيرة وبلبلة وحالة ذعر شديدة ترافقت مع هذه الهزات، مما يتطلب قراءة هادئة لوضع لبنان الجيولوجي والاحتمالات كافة.
أما السؤال الذي تتبادله الكثير من الأوساط العلمية، والذي لم يظهر الى العلن لعدم إثارة المزيد من البلبلة فهو: هل يمكن اعتبار أن الهزات الحالية يمكن أن تشكل نوعا من الإنذار لهزة قادمة قد تكون أقوى من السابقة، وأقرب إلى العاصمة بيروت؟
الدكتور علي حيدر، الأستاذ الجامعي والاختصاصي بتحليل وإدارة الكوارث الطبيعية يجيب عن هذه الاسئلة وغيرها لـ«السفير».
شريط الهزات الأخيرة
من تابع شريط الهزات التي ضربت لبنان في الأيام الأخيرة، يتبين له الآتي:
حصلت الهزة الأرضية الأولى بدرجة 4.2 على مقياس ريختر في جنوب لبنان ظهر الثلاثاء، وكان مركزها حوالى ستة كيلومترات إلى الشرق من مدينة صور. وصل تأثيرها بشكل ملحوظ إلى بيروت ودمشق وضواحي تل أبيب.
نتج عن هذه الهزة الأولى تصدع في بعض الأبنية وتحطم الزجاج ولم تذكر حالات جرحى. ويعتقد أن مركز هذه الهزة كان على فالق (إنكسار) الروم اللبناني، الذي ينطلق من الجنوب اللبناني، ويمتد باتجاه جنوب بيروت.
أما الهزة الثانية فقد حصلت يوم الجمعة بدرجة 5.1 على مقياس ريختر. كان مركزها حوالى 17 كلم إلى الشرق من صور، وتسببت بجرح حوالى عشرة أشخاص. ثم حصلت في اليوم نفسه هزة ارتدادية بعد الظهر، بدرجة 4.2 على مقياس ريختر. كان تأثيرها ملحوظ أيضاً في بيروت وشمال فلسطين. تسببت بتشققات في بعض الطرقات والشرفات، وبانقطاع محلي في التيار الكهربائي، وبضرر لبعض السيارات بسبب انهيار بعض المداميك من الأبنية المجاورة.
في الوقت ذاته تقريباً، حصلت هزة أخرى في الأردن إلى الشمال من طبريا بدرجة خمسة فاصل ثلاثة على مقياس ريختر، استمرت لمدة 5 ثوان، وكانت على عمق 13 كلم، بحسب ما أفاد المركز الأردني لرصد الهزات الأرضية. شعر بها الناس في غرب عمان، اربيد، عجلون وزرقا. أما في فلسطين فوصل تأثيرها إلى قطاع غزة. وقع جراء هذه الهزة منزل قديم في الضفة الغربية إلى الغرب من نابلس. وصل التأثير أيضاً إلى أجزاء من سوريا.
أما الهزة الثالثة فقد حصلت يوم الأحد بتاريخ 17 شباط في الجنوب اللبناني، وقد أعلن مركز بحنس الجيوفيزيائي لرصد الهزات الأرضية التفاصيل التابعة لتلك الهزة.
أسباب الهزات الأرضية في لبنان والمنطقة
تتحرك شبه الجزيرة العربية بما فيها السعودية والدول المجاورة لها نحو الشمال باتجاه إيران وتركيا بمعدل سرعة 18 ملم بالسنة تقريباً. هذا التحرك يتسبب بهزات أرضية قوية في مناطق جبال زاغروس وطوروس بسبب الاصطدام بإيران وتركيا. سبب الحركة بشكل عام هو أن هنالك في جوف الأرض مناطق ساخنة: بعضها أكثر سخونة والبعض الآخر أقل سخونة. التبادل الحراري بين مختلف المناطق يحرك معه بعض المواد، فينتج عن ذلك خلايا تنتقل بداخلها المادة والحرارة، فتعرف «بتيارات الحمل».عندما تتحرك تيارات الحمل التي تنقل المواد في جوف الأرض، تحرك معها المواد الصلبة الموجودة فوقها، أي تحرك الطبقة الأقرب إلى سطح الأرض، والتي تصل سماكتها إلى 100 كلم تقريباً، مسببة بذلك الهزات الأرضية.
داخل لبنان، تتحرك سلسلة جبال لبنان الشرقية والأجزاء القريبة من سوريا نحو الشمال، بينما تتحرك بيروت والأجزاء الساحلية نحو الجنوب (أي نحو فلسطين). هذه الحركة تولد هزّات أرضية داخل الأراضي اللبنانية. حتى هذه اللحظة (أي منذ حوالى 15 مليون سنة تاريخ بدء حركة فالق اليمونة وحتى اليوم)، تحركت الأجزاء اللبنانية المختلفة أفقياً نسبة لبعضها البعض لمسافة تقارب 105 كلم. تسمى الحدود الواقعة على هذه الانكسارات بالتماسية اليسارية، لأننا إذا وقفنا على أحد جوانب الانكسار وراقبنا الجانب الآخر، نلاحظ أنه يتحرك نحو يدنا اليسرى.
هنالك مجموعة من الانكسارات أو الفوالق تمر في الأراضي اللبنانية، ثلاثة منها رئيسة تمر كلها في الجنوب اللبناني، والباقي يعتبر ثانويا. الأكبر ضمن هذه الثلاثة هو فالق اليمونة، وهو يقطع لبنان من جنوبه إلى شماله (يتجه نحو الشمال والشمال الشرقي) على طرف سهل البقاع. إلى الشرق من فالق اليمونة، هنالك فالق سرغايا وهو يمتد باتجاه سوريا، والى الغرب هنالك فالق الروم وهو يمتد باتجاه بيروت (أي يتجه نحو الشمال والشمال الغربي). يعتبر فالق اليمونة في لبنان على أنه امتداد لأخدود البحر الميت.
إذا راقبنا انتشار الهزات الأرضية في لبنان لفتــرة زمنية محددة، مثلاً بين عامي 1990 و ,2005 نلاحظ أن غالبيـة الهــزات القــوية (أي بدرجــة 3 على مقياس ريختر، وما فوق) تتركّز (من حيث العدد لا من حيث القوة) في منطقتين: الأولى بالقرب من المناطق الساحلية بين صيدا ومطار بيروت، والثانية في المناطق الجبلية الواقعة فوق زحلة وفي جوارها، الى الجنوب من بسكنتا.
ومن الجدير بالذكر هنا أن الهزات التي تكون على درجة أقل من خمسة على مقياس ريختر لا تتسبب عادةً بأضرار بالغة.
لماذا في الجنوب؟
هنالك جزء كبير من اليابسة (الأرض) على شكل مثلث تقريباً يقع جزء منها في لبنان وجزء في فلسطين. فالقطب الأول منها يقع على الطرف الجنوبي لبيروت نحو خلدة تقريباً، والقطب الثاني على الطرف الشمالي لحيفا (فالق الكرمل ـ يتجه نحو الشمال الغربي)، والقطب الثالث على الطرف الشرقي من الضفة الغربية، الى الجنوب من حيفا في وسط فلسطين. يجمع هذا المثلث بين هذه النقاط الثلاث. يعتبر هذا المثلث معزولا، أي ان حركة الأرض بداخله تكون مستقلة إلى حدّ ما عن حركة المناطق المجاورة له. يحدّ هذا المثلث على اليابسة فالقا الروم (نحو بيروت) والكرمل (نحو حيفا)، ويحتوي بداخله على مجموعة كبيرة من الفوالق الصغيرة من ضمنها فالق صور ـ الزرارية، والذي عليه حصلت هزة يوم الجمعة. هذا المثلث «محشور» بين المناطق الأرضية والبحرية المجاورة، وبالتالي فهو مضغوط، وتحدث بداخله هزات أرضية. تُقفل هذه المنطقة لجهة الغرب عبر شريطٍ ملتوٍ على شكل قوس يمتدّ داخل البحر المتوسط من حيفا إلى بيروت.
هل ستصل الهزة إلى بيروت قريباً؟
في الحقيقة، تحرك هذا المثلث أكثر من مرة في الأســابيع الأخــيرة، والخطر في لبنان يكمن في أن أحد أطــراف هذا المثلــث يصل إلى أطراف بيروت. طبعاً لا ننسى أيضاً أن بعض هذه الهزات كانت أقــوى من سابقـاتها، مما يطرح بقوة السؤال عما إذا كانت هذه الظاهرة إلى انحسار، أم ان علينا الانتظار لأسابيع قليلة قبل أن نعتبر أن فترة الإنذار قد ولت. هنالك حالات خاصة استعملت فيها تقنيات معينة لمحاولة تحديد زمن وقوع الهزة ومكانها قبل وقوعها، لكن شيئاً من هذا القبيل لم يطبق بعد على الواقع اللبناني. أود هنا الإشارة أن على الوزير المختص، لا غيره، أن يعلن للناس ما إذا كنا فعلاً في مرحلة إنذار أم لا.
يتحرك فالق الروم بمعدل 0.86 إلى 1.05 ملم بالسنة. قد يرى البعض أن هذه السرعة هي ضئيلة جداّ ولا تفســر هذا الاهتــمام البالــغ بهذا الفالق، لكن المشكلة تكمن في أنه لا يتحــرك بشكــل مستمــر، لأنه يجــمع الضــغط المتراكم عبر فتــرة زمنــية طويلـة، ثم يتحرك فجأة عن كل السنوات الماضية والتي لم يتحرك بها بشكل ملحــوظ. يمتد فالق الروم لمسافة 35 كلم تقريباً من شمال حوض الحولا حتى نهر الأولي. نتعرف أحياناً بسهولة على المكان الذي يمتدّ به على السطح لأنه يتسبب بانحراف مجاري الأنهار. يقدّر أن هذا الفالق كان المســؤول عن الهزة الأرضية التي حصلت بتاريخ 16 آذار ,1956 وعن الهزة الأرضيــة التي حصلت بتاريخ 1 كانون الثاني ,1837 والتي كانت بدرجة سبعة فاصــل واحد. يقدّر أيضاً أنه قد تحرك بقوة أربع مرات على الأقل خلال 10000 سنة الأخيرة. يقدر أيضاً بأنه المسؤول عن حوالى 14 بالمئة من مجموع الحركة التماسية في الأراضي اللبنانية.
المخاطر على الصعيد الإقليمي
تحصل مجموعة من الهزات الأرضية القوية قد منذ فترة، بالتسلسل الزمني نحو الغرب، في مناطق موجودة على شريط زلزالي ناشط، يمتد من جنوب غرب أندونيسيا إلى شمال الهند وباكستان، ثم يحيط بإيران ويستمر نحو تركيا، فجنوب اليونان وعدة مناطق في إيطاليا، ليكمل طريقه نحو شمال الجزائر وشمال المغرب وجنوب اسبانيا. وهنالك أيضاً شريط زلزالي آخر أقل نشاطاً، يتفرع من الأول، فيمتد من تركيا نحو سوريا ولبنان وفلسطين، ويمتد جنوباً حتى القارة الأفريقية.
بالنســبة للشــريط الأكثر نشاطاً، تبدأ عادة الهزات نحو الشرق وتكون قوية، تم تخف قوتها تدريجــياً بينــما تنتقل تدريجياً نحو الغرب. حصلت مثلاً هزة أرضية 250 كلم الى الجنــوب الغربي من جزيرة سومطرة الأندونيسية (أدت الى حصول تسونــامي) بتــاريخ 26 كانون الأول 2004 وكانت بدرجة 9.3 من مقيــاس ريختــر (مع هزّات أخــرى لاحقــة أضعــف من الأولى). ثم تلتها في باكســتان هزة قوية أخرى بتاريخ 8 تشرين الأول ,2005 وبدرجة 7.6 (أي على الشــريط الزلزالــي ذاتــه، نحو الغرب من الهزة السابقة). بعد ذلك حصلت هزة خفيفة في إيران بــتاريخ 25 أيلول 2005 (درجة 9,3)، تلتها هزة أقوى بتاريخ 27 تشرين الثاني 2005 (درجة 1,6)».
بناء عليه، وعلى هزات أخرى، مثلاً مجــموعة من الهــزات الحديثة في تركيا، (أهمها: بحر إيجه، 21 تشـــرين الأول ,2005 درجة 9,5)، تنبأتُ بتاريخ 26 كانون الأول 2005 على إحدى شاشات وسائل الإعلام المرئي أن الهزة التالية قد تحصل في «جنوب اليونان»، وخلال فترة زمنية قصيرة، إذا استمر تتالي الهزات الأرضية زمنياً نحو الغرب على طول هذا الشريط. وقد حصلت هذه الهزة بالفعل بعد 13 يوما، أي بتاريخ 8 كانون الثاني 2006 بدرجة 9,.6 حصلت هذه الهزة في البحر، 200 كلم الى الجنوب من أثينا، مع أضرار طفيفة لحوالى 50 منزلاً وكنت قد تنبأتُ أن احتمال أن يكون تأثير هذه الهزة مدمر هو احتمال ضعيف وذلك لأن شرق المتوسط في هذه المرحلة هو أقل نشاطاً على الصعيد الزلزالي مما كان عليه من القرن الرابع إلى القرن السادس ميلادي.

Assafir News Paper

No comments:

Post a Comment